في الفيلم الجميل “ليمِتْلِس” يعاني البطل من “حبْسة الكاتب” وهي فقدان الكاتب القدرة على الكتابة وكأن شيئاً يسد ذهنه. وبينما هو يمشي في الشارع يقابل صديقاً قديماً، فيدعوه إلى شرب فنجان قهوة في مقهى قريب. وفي وسط الكلام أخبره عن مشكلته، فقال له صديقه إن لديه الحل لمعضلته؛ ثم أخرج حبة من جيبه وأعطاه إياها ووعده أن تغير حياته.
تناول الكاتب الحبة، وما إن وصل البيت حتى تفتّق ذهنه، وشعر بصاعقة أفكار ضربت رأسه، فأصبح فجأة قادراً على الانتباه لكل التفاصيل الدقيقة حوله. كصوت قطرة الماء وهي تندلق من فَمِ الصنبور، وصوت التيار الكهربائي وهو يسري في المصباح. اتجه إلى كمبيوتره بسرعة وهو يشعر بالأفكار تباغته كقناص ماهر.
وفي غضون أيامٍ قليلة أنهى الكتاب الذي ظل يعاني فترة طويلة دون أن يستطيع كتابة سطره الأول. ثم تتغير حياته بسبب تلك الحبة العجيبة التي يكمن سرّها في أنها تزيد من قدرة الدماغ على العمل، وذلك بإكسابه إمكانية هائلة لمراقبة واستيعاب كل تفاصيل الحياة. فالتفاصيل هي الخط الفاصل بين الجودة والرَّداءة.
انظر كيف يحكم الناس على المُدن التي يزورونها: يبدؤون بنظافة المطار، ودقة مواعيد الطائرات، وطريقة استقبال موظف الجوازات، وألوان المكان، وحجم البوابات.. كل هذا وهم لم يخرجوا إلى الشارع بعد!
يتعلم ابني عُمر عزف البيانو، وأحرص أن أكون معه وهو يتدرب، حيث يبهرني بمدى حرصه على استيعاب تفاصيل النوتة الموسيقية، وطريقة وضع أصابعه على المفاتيح، وطريقة تنفسه وجلوسه، فأقول في نفسي: لولا التفاصيل لما استطاع الإنسان أن يصنع شيئاً جميلاً.
ادخل متحفاً مع شخص مختص وقِف معه أمام لوحة ما ثم أنصت لما يقول، وستجده ينساب في سرد تفاصيل العمل، وشرح أساليب تركيب الألوان ودقة رسم الأشكال، ومعايَرَة أماكن الخطوط والدوائر والأشكال الأخرى. المبدعون فقط يفهمون التفاصيل لأنها مصدر إبداعهم.
افتح كتاب البيان والتبيين للجاحظ واقرأ مائة صفحة وسترى أن جمال اللغة هو العناية بتفاصيل تركيبها وعلاقة معانيها بالألفاظ ودلالاتها.
اقرأ بيت ” يزيد ” الذي يصف فيه وجه حبيبته فيقول: “وأمطرتْ لُؤلؤاً من نرجسٍ وسقتْ // ورداً، وعضّتْ على العِنابِ بِالبردِ” وستجده شبّه غزارة دمع حبيبته بالمطر، ودمعها باللؤلؤ، وعينيها بورد النرجس (الريحان) والخدود بالورود، والشفاه بالعنّاب، والأسنان بالبَرَدِ البارد الأبيض.. مرة أخرى، لا شيء سوى التفاصيل ما جعلت من هذا البيت أحد أجمل أبيات الوصف في الشعر العربي.
عندما نهتم بالتفاصيل يُفتح باب عالم غريب، ليس جديداً، ولكنه عالم يقبع على أطراف الأشياء، يتكثف في قطرة ندى نراها لأول مرة على غصن نخلتنا العجوز التي تسكن في فناء المنزل منذ زمن. إنه عالم الهوامش التي يقول الكاتب فيها ما لا يستطيع كتابته في بطون الصفحات.
التفاصيل لا تحتاج إلى بحث أو تنقيب، ولا إلى شهادة علمية.. وكل ما تحتاجه ذهن صافٍ، وقلب أزالَ عن بصيرته غشاوة الحاجات والرغبات. التفاصيل تحتاج منا نَزْع أقنعة الأفضل، حتى نرى الأجمل. الفرق بينهما أن الأفضل قد لا نراه جميلاً، أما الجميل فهو أفضل دائماً، أو في قلوبنا على الأقل.
انظر حولك الآن، أطلق بصرك، أنصت بخشوع، امسح بيدك على سطح مكتبك، أو تلمس نتوء الحروف المحفورة على صفحات كتاب عتيق. اسكب قهوتك، ولأول مرة لا تشربها، استنشق رائحتها فقط، وستجدها أجمل من أي وقت مضى.
التفاصيل تضيف إلى حياتنا حياة أخرى، وزَخَمٌ لَزِجٌ، كذاك الذي يتكدس على أصابع الأطفال بعد أن يلتهموا سطْلا من الحلويات. هل عرفتم الآن لماذا لا يغسل الأطفال أيديهم بعد التهام الحلوى؟ حتى يستمتعوا باللذة المختبئة في الفُتات الأخير.
التفاصيل الصغيرة تغنينا عن التضحيات الكبيرة، قد لا تُدخلنا كتب التاريخ، ولكنها تغرسنا في قلوب من نُحِب.
يُقال إن الشيطان في التفاصيل، وأقول إن الحب في التفاصيل، بل التفاصيل هي الحُب. هناك من يحرص على انتقاء هدية مختلفة لمحبوبته، يعرف جيداً تفاصيل الأشياء التي تُحبها، هواياتها، أمنياتها، رغباتها.. فتأتي هديته مفعمة بالعذوبة؛ بدءاً بانتقاء ورق التغليف، إلى البطاقة المرفقة، حتى الهدية ذاتها.
يُحكى أن امرأة كانت تتذكر زوجها الراحل أمام نساء لم تعرفهن إلا منذ فترة وجيزة. وبين كل كلمة وأخرى كانت تردد “لقد كان يُحبني جداً.. كان يأخذني إلى السينما كل أسبوع. كان يعرف بأنني أحب السينما”. وبعد دقائق قرأت علامات التعجب والاستنكار على وجوههن، وكأنهن يقلن في نفوسهن إن الذهاب إلى السينما أمْرٌ عادي وليس دليلاً على المحبة. اندلقت دمعة حارقة على خدها. كفكفتها بأصابعها ثم رفعت رأسها وابتسمت وقالت: “آه، نسيتُ أن أخبركن أنّه كان أعمى”.
إذا قرأتَ هذه الجملة: «أنا جُملة كاذبة» فهل تصدقها أم تكذِّبها؟ إن صدّقتها فقد أخطأت، لأنها تقول إنها كاذبة، وإن كذّبتها فقد أخطأتَ أيضاً، لأنها بذلك تصبح صادقة، وهي تنفي الصدق عن نفسها. فما الإجابة الصحيحة إذاً؟ في الحقيقة الإجابة ليست مهمة هنا، وفي كثير من تساؤلات الحياة فإنها ليست مهمة، فليس الهدف من الأسئلة
إقرأ المزيد
في عام 1881؛ اكتشف عالم الآثار العراقي الأصل، هرمز رسام، المتخصص في الحقبة الآشورية، لوحاً طينياً يعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد، يحمل خريطة بابل كما تصورها أهلها، التي يُعتقد أنها أول خريطة في التاريخ، وتُسمّى «خريطة العالم البابلية». لم يكن الهدف من رسم تلك الخريطة هو الاستدلال على الأماكن، بل إبراز سُلطة الدولة وهيبتها؛
إقرأ المزيد
عندما وقف الوالد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد على المنصة، وقال: «سنحتفي بتصدير آخر برميل نفط بعد 50 عاماً»، وربط ذلك بشرط الاستثمار الصحيح في التعليم اليوم، كيف شعرتَ كمواطن إماراتي؟ أنا شخصياً غمرني الفرح، وتفاءلتُ كثيراً بأن قيادتي تُعد العدّة للمستقبل، شأنها في ذلك شأن المؤسسين، رحمهم الله، الذين لولا استثمارهم في الإنسان
إقرأ المزيد