المثقف الكسول

أرشيف

لم أجد تعريفاً أفضل للثقافة مما قاله إدوارد سعيد عندما عرّفها بأنها «الإنتاج الفكري للشعوب». وعليه فإن كُلّ من له إنتاج فكري يصبح مثقفاً. ولكن، كيف للمثقف أن يكون كسولاً؟

إذا كنتَ تعمل في قسم المقالات في صحيفة ما فستعرف ماذا أقصد، حيث تَرِدُ على الصحيفة مقالات مليئة بالأخطاء اللغوية والطباعية؛ فكاتبها غالباً لا يعرف الفرق بين همزة الوصل وهمزة القطع، ناهيك عن جهله بقواعد اللغة، وإذا سألتَهُ عن علامات الترقيم فسيقول لك إنه «يكتب دون قواعد حتى يشعر القارئ بحريّة نصّه»، هذا ما قاله لي أحد هؤلاء الكسولين الذين لا يؤمنون بتطوير أنفسهم.

كُلّنا نفرح عندما نقرأ اسم مثقف جديد على الساحة، لكن الثقافة اليوم لا تعني كتابة مقالة يتيمة في الصحيفة مرة كل شهر ثم الاكتفاء ببعض التغريدات في «تويتر»! فمجالات الإبداع وقنوات الوصول إلى الناس صارت اليوم أكثر مما يستوعب أحدنا، فيمكن للمثقف أن يكتب في صحيفة، وأن ينشر حلقات صوتية على موقع «ساوند كلاود»، ويتحدث عن موضوعات معينة في «سناب شات» و«إنستغرام» بالصوت والصورة، وأن يُطلّ على الناس في بثّ مباشر من خلال «بيرسكوب»، أما «فيس بوك» فيكاد يجمع كل هذه الخيارات، ولكن المثقف الكسول يحجم عن كل ذلك ليس لأنه مشغول، بل لأنه ليس له «مزاج»!

أخبَرَني صديق مُثابر على الكتابة أنه عندما كان يدرس في الجامعة سأل أستاذته عن سرّ نجاح الكاتب فقالت له: «الكتابة، ثم إعادة الكتابة، ثم إعادة الكتابة».

يحكي الروائي الياباني هاروكي موراكامي عن طقوسه أثناء كتابة رواية جديدة ويقول إنه يستيقظ كل يوم في الرابعة فجراً، فيكتب لخمس أو ست ساعات، ثم يجري 10 كيلومترات أو يقطع 150 متراً سباحة، أو يقوم بالعملين في اليوم نفسه أحياناً، وعندما يعود إلى البيت يستمع لشيء من الموسيقى ثم يقرأ حتى التاسعة مساء وينام. يظل على هذه الحال من ستة أشهر إلى عام كامل دون أن يُغير جدوله حتى ينتهي من روايته؛ لأنه يعتقد بأن التكرار كفيل بمنح الإنسان الانضباط الذي يحتاجه لإنجاز عمل مهم في حياته، أما (هنري ميلر) فله نصائح كثيرة للانضباط في الكتابة، أهمها أن يكتب الإنسان تبعاً لجدول واضح لا تبعاً لمزاجه.

إن المشكلة لا تكمن فقط في المزاج والطقوس ومُغريات الحياة، ولكنها تكمن في مدى جِدّية المثقف تجاه قضايا الإنسان، فمن لا يحمل قضية ما، ولا أعني بكلمة «قضية» أي مشكلة، بل فكرة إنسانية يريد إيصالها للبشرية، لا يمكنه أن يصبح مثقفاً حقاً. وكلمة «مثقف» هنا تشمل كل مَن يقوم بعمل إبداعي، سواء كان كاتباً أو رساماً أو موسيقاراً أو غير ذلك. مشكلتنا الحقيقية تكمن في أننا اتخذنا الثقافة ترفاً، وواجهة اجتماعية، ولقباً نتزين به أمام الناس، فصرنا مثقفين من أجل أن يُشار إلينا بالبنان، لا مِن أجل أن نُقدّم شيئاً للدنيا، ونساهم ولو حتى بفكرة واحدة تستحق أن يقف أمامها عابِرُ سبيل في طُرقات الحياة ويتأمّلها قليلاً.

يقول الكاتب إلْوِن بروكس: «إن الكاتب الذي ينتظر اللحظة المناسبة حتى يكتب، يموت دون أن يكتب كلمة واحدة».. لا أقصد شخصاً بعينه في هذا المقال، لكن إذا أغضبك هذا النص، فاعلم بأنه موجَّهٌ إليك.

شاشة رمضان والسحر الأسود

Image

إبّان عصور الظلام في أوروبا، انتشر ما كان يعرف بـ«السحر الأسود»، الذي كان يُعتقَد أنه من فعل الأرواح الشريرة التي يستعين بها السحرة والمشعوذون، إلا أننا لم نعد نسمع بذلك السحر اليوم، فلقد أخذ بالاضمحلال حتى القرن العشرين، والسبب الأول والأكبر في ذلك هو طابعة غوتنبرغ! فقبل الطابعة، كان نسخ الكتب يستغرق وقتاً طويلاً، وكان

إقرأ المزيد

استعادة مصطفى محمود

Image

لاحظتُ أخيراً انتشار مقاطع فيديو للدكتور الراحل مصطفى محمود – طيب الله ثراه – على «يوتيوب» ووسائل التواصل، واستشهاد الناس بكلامه عن الاكتشافات العلمية التي لها إشارات في القرآن الكريم. المقاطع كانت من برنامجه الشهير «العلم والإيمان»، الذي حاول من خلاله ربط الآيات القرآنية بالاكتشافات العلمية. إلا أن القرآن ليس كتاب فيزياء أو فضاء، بل

إقرأ المزيد

موتٌ صغير

Image

عندما التقيتُ لأول مرة بفضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف أحمد الطيّب – طيّبَ الله طريقه – في مكتبه قبل سنوات، جلستُ صامتاً كوني أصغر الحاضرين سنّاً. وعندما حان وقتي للحديث، قلتُ له: «يجمعنا موتٌ صغير يا مولانا». فضحك لكلامي، وقال: «رحم الله الشيخ الأكبر». فشيخ الأزهر متخصصٌ في فكر مُحيي الدين بن عربي، الذي

إقرأ المزيد