فومو

أرشيف

الساعة الآن الثامنة مساءً، أنتَ جالس في بيتك، ترتدي ثياباً منزلية مريحة. أعددتَ وجبة دافئة، اخترتَ فيلماً جديداً، ضغطتَ على زر التشغيل، وبينما يقوم جهاز «أبل تيفي» بتحميل الفيلم تفتحُ هاتفك، فترى صوراً لأصدقائك في مقهى جديد، وتحت الصور دعوة لك للحضور.. تنظرُ إلى وجبتك، فيلمك الذي بدأ، دون أن تشعر، تُرسلُ اعتذاراً في «جروب الشباب»، فيلحّون عليك بالحضور، وهم يقولون «فاتك».. حينها تدخل في أزمة نفسية، وتفقد الأمسية متعتها!

هذه الحالة تُسمّى فومو FOMO، وتعني Fear of Missing Out، أي الخوف من أن يفوتنا شيء. نخاف من ألّا نعرف «الكوفي شوب» الذي افتُتِحَ في شارع جميرا قبل أيام. نخاف من ألّا نتذوق الحلوى الجديدة التي وصلت إلى «دبي مول» أخيراً. نخافُ من ألّا نحضر كل شيء، ونجرّب كل شيء، ونرى كل شيء، وربما نعرف كل شيء.

صار جلوسك في بيتك بعطلة نهاية الأسبوع دليلاً على مقدمات الاكتئاب، هذا ما يقوله لك أصدقاؤك. أما الذهاب في رحلة برية، والمبيت في خيمة وسط الصحراء، فيعتبر عملاً خاصاً بكبار السن «الكلاسيكيين» الذين لم يجلسوا يوماً في مقهى بـ«وسط منطقة دبي» أو «داون تاون» اختصاراً.

«فومو» أو «فاتك» بتعبير اليوم، ليس ظاهرة اجتماعية محلية أو عربية، بل ظاهرة كونية تجتاح العالم كله، ورغم أنها ليست بجديدة، إلا أنها صارت مهيمنة بسبب «السوشيال ميديا». فعندما تُشاهد شخصاً في مدينة ألعاب، أو مجموعة أشخاص في حفلة غنائية، أو في فعالية ما، فإنك تشعر بالأسى على نفسك. لا شيء يستفزّ الإحباط والتوتر عند الإنسان اليوم مثل كلمة «فاتك»، كأن يقول لك أحدهم: «فاتك الفيلم اليوم»، فتشعر حينها بأن ما فاتك هو موعد دخول الجنة، وليس فيلماً سينمائياً! يقول الدكتور دارلين مكلاجلِن، المتخصص في الطب النفسي والسلوكي بكلية تكساس للطب، إننا صرنا نقارن جودة حياتنا بحياة المشاهير في «السوشيال ميديا»، وأصبحنا نبني حياتنا تبعاً لانتقاد أو مدح الجمهور لكل خطوة نقوم بها، وهذا من أسباب انتشار الاكتئاب بكثرة اليوم.

وفي دراسة أُجريت قبل ستة أشهر على مجموعة من مستخدمي الهواتف المحمولة، وجدوا أن الإنسان العادي يفحص التنبيهات في جهازه 5427 مرة في اليوم، ويقضي بين ٧٦ و١٣٢ جلسة تصفّح بمعدل خمس ساعات يومياً، أي ما يعادل ثلث الوقت الذي نقضيه مستيقظين، أو ٧٦ يوماً في العام الواحد. باختصار: نحن نقضي شهرين ونصف الشهر كل عام في استخدام الهاتف، وغالباً في تطبيقات «السوشيال ميديا».

وقد يسأل سائل: أين المشكلة؟ أليس هذا من متطلبات العصر؟ المشكلة هي أننا نفقد القدرة على الاستمتاع بأي شيء في الحياة، لأننا نريد المزيد دائماً، نبحث عن التقدير، وعن محبة الآخرين لنا، وعن رضاهم عنا، وعن تصفيقهم لنجاحاتنا؛ وبذلك فإننا نسحق كل معنى للسلام الداخلي والقناعة، وتنعدم فكرة الرضا عن الذات، لأن ذاتنا حينها تكون مُلكاً للآخرين.

أنا مثلكم أعاني «فومو» ولا أحب كلمة «فاتك»، وكنتُ أفحص هاتفي كل دقيقة، لكنني جرّبتُ أن أترك هاتفي بعيداً وأنا جالس مع الأسرة أو الأصدقاء، فاكتشفتُ أن ما فاتني من محبة وسعادة كان أكبر بكثير مما فاتني في الفضاء الاجتماعي.

السؤال أهم أم الإجابة؟

Image

إذا قرأتَ هذه الجملة: «أنا جُملة كاذبة» فهل تصدقها أم تكذِّبها؟ إن صدّقتها فقد أخطأت، لأنها تقول إنها كاذبة، وإن كذّبتها فقد أخطأتَ أيضاً، لأنها بذلك تصبح صادقة، وهي تنفي الصدق عن نفسها. فما الإجابة الصحيحة إذاً؟ في الحقيقة الإجابة ليست مهمة هنا، وفي كثير من تساؤلات الحياة فإنها ليست مهمة، فليس الهدف من الأسئلة

إقرأ المزيد

من الأقْصُر إلى أسوان

Image

في عام 1881؛ اكتشف عالم الآثار العراقي الأصل، هرمز رسام، المتخصص في الحقبة الآشورية، لوحاً طينياً يعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد، يحمل خريطة بابل كما تصورها أهلها، التي يُعتقد أنها أول خريطة في التاريخ، وتُسمّى «خريطة العالم البابلية». لم يكن الهدف من رسم تلك الخريطة هو الاستدلال على الأماكن، بل إبراز سُلطة الدولة وهيبتها؛

إقرأ المزيد

اللهم صبّر حكومتنا علينا!

Image

عندما وقف الوالد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد على المنصة، وقال: «سنحتفي بتصدير آخر برميل نفط بعد 50 عاماً»، وربط ذلك بشرط الاستثمار الصحيح في التعليم اليوم، كيف شعرتَ كمواطن إماراتي؟ أنا شخصياً غمرني الفرح، وتفاءلتُ كثيراً بأن قيادتي تُعد العدّة للمستقبل، شأنها في ذلك شأن المؤسسين، رحمهم الله، الذين لولا استثمارهم في الإنسان

إقرأ المزيد