استعادة مصطفى محمود

أرشيف

لاحظتُ أخيراً انتشار مقاطع فيديو للدكتور الراحل مصطفى محمود - طيب الله ثراه - على «يوتيوب» ووسائل التواصل، واستشهاد الناس بكلامه عن الاكتشافات العلمية التي لها إشارات في القرآن الكريم. المقاطع كانت من برنامجه الشهير «العلم والإيمان»، الذي حاول من خلاله ربط الآيات القرآنية بالاكتشافات العلمية. إلا أن القرآن ليس كتاب فيزياء أو فضاء، بل كتاب تشريعات دينية، وضوابط أخلاقية واجتماعية يستخدمها المسلم في حياته، وقد يسأل سائل عن مشكلة الاستدلال بالآيات القرآنية في الحقل العلمي؟ وأقول إن هناك إشكالات عدة، أهمها أننا بذلك نضع النص القرآني على طاولة النقد والتجربة، وفي حال ربطنا بين آياته وبين كشف علمي، وثبت عدم صحة ذلك الكشف لاحقاً، فإن ذلك يعني أن القرآن وقع في الخطأ، وتلك مصيبة إيمانية كبيرة، ولنأخذ على سبيل المثال نظرية التطور التي صارت اليوم عِلماً واسعاً ومتشعباً، لا يمكن «علمياً» نقضه أو إنكاره، ولن تقع على بحث علمي واحد «ينسف» النظرية كما ستسمع من بعض المدعين.

مشكلة النظرية الوحيدة أنها استُخدِمَت من قبل الملحدين لنفي وجود الإله، وهنا يصبح الصراع عقائدياً وفلسفياً، وليس علمياً، وإذا أراد أحدهم أن يناقش هذه القضية فيحتاج إلى إعادة فهم قصة خلق آدم عليه السلام في سياق القرآن الكريم، ولكن تلك قصة أخرى قد نفرد لها مقالاً آخر. إلا أن محاولة مصطفى محمود وغيره نقض النظرية علمياً استناداً إلى آيات كثيرة وعلوم قليلة، لم تصب في مصلحة تقدم الفكر الإسلامي، بل تزيد الفجوة بين العقل المسلم وبين العلوم. خطأ آخر يقع فيه الفضلاء كالدكتور مصطفى محمود وهم يفسرون آية «مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ»، حيث قالوا إن العلم أثبت أن التي تغزل البيت أو الشبكة هي أنثى العنكبوت وليس الذكر، والقرآن أثبت ذلك قبل العلم... مشكلة هذا الكلام هو أن العلم أثبت لاحقاً بأن الذكر أيضاً يغزل بيتاً، وإن كان أصغر! ولم يفرق أولئك الأساتذة الأجلّاء بين التأنيث البيولوجي والتأنيث اللغوي، وهذا الأخير هو المستخدم في الآية الكريمة، تماماً كما نتحدث عن النمل والنحل، فإننا نؤنث قاصدين بذلك الجنسين. لو اعتمدنا على تلك التأويلات العلمية للنص الشرعي لأمكن أحدهم أن يقول «إن القرآن به خطأ» وحاشاه ذلك. هذا لا يعني أن كل ما قاله مصطفى محمود ومن اتبع نهجه خطأ، ولا يعني أنني لا أحبه، بل على العكس تماماً، فأنا من أكثر الناس محبة له واحتراماً لصدقه ولهمته في العطاء، إلا أن مشكلتي تكمن اليوم في استقائنا للعلوم والمعارف من غير مصادرها العلمية الصحيحة، وفي محاولة ربط العلم بالإيمان، وهي العملية التي لم ينجح أحد عبر التاريخ في تحقيقها. إن هذا الخطاب الذي يسطّح العلوم لم يعد مقبولاً ولا مناسباً لشباب اليوم، لأنه خطاب، على الرغم من أخطائه الكثيرة، إلا أنه يجزم بمعرفة الحقيقة المطلقة، وهذا في حد ذاته ادعاء لا يتماشى مع روح العصر العلمية، التي تنفر مِن ادعاء الحقائق، وتبحث عن التجارب والكشوفات العلمية الرصينة.

المستقبل ليس كما نظن

Image

في القمة العالمية للحكومات التي انتهت دورتها السادسة، أمس، اجتمع آلاف الخبراء والمتخصصين وصُنّاع القرار في العالم ليناقشوا قضية رئيسة: «المستقبل». بالنسبة لي لا يوجد حدث سنوي أهم من هذا، حيث تحول إلى أكبر منصة عالمية للحكومات، وأجمل ما فيه أن الحديث عن السياسة قليل جداً في مقابل الحديث عن المستقبل ودور الحكومات فيه، وماذا

إقرأ المزيد

من أرسطو إلى غوغل

Image

عندما يسألني الشباب اليوم ماذا يدرسون، أنصحهم بدراسة تخصصات جديدة في الفيزياء وعلوم البيئة والفضاء، لأن كثيراً من التخصصات القديمة قد تلاشى، وبرزت الحاجة لعلوم جديدة. ورغم أن مجتمعاتنا العربية تحتاج إلى علماء في فيزياء الكم والبيولوجيا الجزئية أكثر من حاجتها لروائيين ومؤرخين، إلا أن هذا لا يعني أن الفيزياء أهم من الأدب، ولا أن

إقرأ المزيد

ماذا خسرنا في عصر التكنولوجيا؟

Image

لن أقول إننا خسرنا علاقاتنا الإنسانية، وتواصلنا الاجتماعي، وغير ذلك من كلمات مُكررة، بل سأدخل إلى صلب الموضوع وأقول إن هناك ثلاثة متغيرات بسبب الإعلام الرقمي، صارت لها تأثيرات هائلة في حياتنا: المتغير الأول هو «الأيديولوجيا»، ورغم أنني لا أحب هذه الكلمات الكبيرة، لكنني مضطر لاستخدامها هنا، للتعبير عن القيم والمنظومة الفكرية التي يتحلى بها

إقرأ المزيد