شاشة رمضان والسحر الأسود

أرشيف

إبّان عصور الظلام في أوروبا، انتشر ما كان يعرف بـ«السحر الأسود»، الذي كان يُعتقَد أنه من فعل الأرواح الشريرة التي يستعين بها السحرة والمشعوذون، إلا أننا لم نعد نسمع بذلك السحر اليوم، فلقد أخذ بالاضمحلال حتى القرن العشرين، والسبب الأول والأكبر في ذلك هو طابعة غوتنبرغ! فقبل الطابعة، كان نسخ الكتب يستغرق وقتاً طويلاً، وكان اقتناؤها مُكلفاً، فاقتصرت قراءتها على الرهبان تقريباً، ومع ازدياد معدلات القراءة وارتفاع الوعي، فَهِم الناس أن السحر الأسود لم يكن إلا تجارب كيميائية وفيزيائية وميكانيكية توصّل إليها بعض الناس الذين كانوا يسمون سحرة، وكان يستغلون جهل العامة للسيطرة على عقولهم. فعلى سبيل المثال، عمل أحد العلماء في فينيسيا في القرن الـ19 بالسحر الأسود، وكان يضع 200 شمعة أمام الناس، وما أن يطلق طلقة من مسدسه في الهواء حتى تشتعل كل الشموع مرة واحدة، والسر في ذلك هو أنه كان يضع تحت كل شمعة قنينة فيها غاز الهيدروجين، موصولة بسلك نحاسي طويل، يمتد إلى خلف المسرح، حيث يجلس مساعده الذي يُرسل شرارة عبر السلك النحاسي لتصل إلى الهيدروجين فينفث ناراً يشعل الشمعة.

وفي بدايات وجود المسلمين في الأندلس، اتُّهِم عباس بن فرناس بالشعوذة، وتمت محاكمته في قرطبة. قال أحد الشهود إنه رأى دخاناً أسود يخرج من بيته، وقال آخر إنه رأى دماً يخرج من تحت باب بيته، واتهمه الناس بأن الشيطان هو الذي حمله حينما طار في تجربته الشهيرة. عندما أعطاه القاضي الفرصة ليرد على الاتهامات، قال «أرأيتَ إن عجنتُ الدقيق بالماء وأشعلتُ عليه النار لأصنع خبزاً أيكون ذلك سحراً؟»، فقال القاضي «لا.. بل هو مما علّمه الله للإنسان»، فقال ابن فرناس «فكذا أنا أفعل، أضع بعض الأخلاط وأوقد عليها النار لأنفع الناس». وشرح للقاضي والناس أن ما ظنوه دماءً تجري من بيته، والدخان الأسود، ليست إلا مواد كيميائية يخلطها ويجربها ليخرج بأدوية واكتشافات تفيد الناس.. وانتهت المحاكمة الطويلة ببراءته من كل التهم.

إذن، التعصب نتيجة للجهل، إذ ينتج عنهما انحدار العقل البشري في ثقافة ما، ولهذا فإن المجتمعات التي يزداد فيها العلم، تقل فيها الخرافة، وهذا ما نحاول القيام به في رمضان، أنا ومجموعة من المهتمين بالعلوم والمعارف الإنسانية في المنطقة، حيث عكفنا منذ السنة الماضية، على إنتاج برنامجين علميين لرمضان هذا العام، هما الجزء الثاني من برنامجِي «لحظة»، الذي سيعرض على قناة «إم بي سي»، وبرنامج «السديم»، الذي سيقدمه صديقي العزيز سعيد القرقاوي على تلفزيون دبي. في «لحظة» هذا العام تحدثتُ عن موضوعات مختلفة كمباني المستقبل، وكيف ستكون ذكية، وعن مشكلة الإرهاق التي يعانيها البشر اليوم، وكيف يمكن التغلب عليها. تحدثتُ عن العلاجات الجديدة للسكري، وعن تغيير الإنسان نظام حياته ليعيش أكثر من 100 عام دون أدوية أو عمليات جراحية. وتحدثتُ عن مستقبل الفضاء، والمياه، ووسائل المواصلات في المستقبل القريب. أما في برنامج «السديم» فتحدث سعيد عن رحلة الإنسان إلى المريخ، بدءاً بالرحلات الفضائية الأولى، إلى التحديات التي ستواجه البشرية للهبوط على سطح الكوكب الأحمر واستيطانه. نفعل كل ذلك حتى نسهم في مكافحة السحر الأسود - أو الجهل - المسيطر على العقل العربي المسلم، لأنه كان يوماً ما عقلاً نيّراً أضاء البشرية، وسيعود لينيرها مرة أخرى قريباً، إن شاء الله.

هل العالم تافه حقاً؟

Image

أجريتُ استبياناً سريعاً نَشرْتُه في مجموعة من منصات التواصل الاجتماعي – أي إنه ليس علمياً ولا حتى دقيقاً – سألتُ فيه الناس إن كانوا يعتقدون بأن العالم تافه حقاً، فكانت الإجابات الطاغية بـ«نعم». جَرِّب أن تقضي يوماً تتصفح فيه إحدى تلك المنصات لتُدرِكَ أن الذين أجابوا بنعم لم يكونوا منفعلين، بل متابعين تملؤهم الغصّة من

إقرأ المزيد

غوتنبرغ في دبي

Image

لم يخترع الألماني غوتنبرغ الآلة الطابعة، فلقد اخترعها قبله الصينيون بـ1000 عام تقريباً، لكن لغتهم التي حوت آلاف الحروف لم تُسعفها طريقة الطباعة القديمة لإنتاج كميات كبيرة من الكتب. إلا أن غوتنبرغ طوّر طريقة صناعة الآلة الطابعة، حيث استخدم قطعاً معدنية لحروف الطباعة بدل القطع الخشبية التي استخدمها الصينيون، وأسعفته حروف لغته القليلة لطباعة كميات

إقرأ المزيد

«الإسلاموفوبيا والغربوفوبيا»

Image

مَن لا يكره المسلمين اليوم؟ بل حتى البوذيون في الشرق، الذين يُفترض أن يكونوا أهل سلام، قد أمعنوا في قتل مسلمي الروهينغا.. اذهب إلى أي مكان في العالم، وستلمس قلقاً من المسلمين، حتى أولئك الذين يعرفون أن الإسلام دين سلام لا كراهية، تسمع بعضهم يقول: إنه قلق من ردات أفعال المسلمين. وفي بلاد المسلمين، مَن

إقرأ المزيد