قليل من الكسل

أرشيف

بعد كل سبع سنوات، يقوم مصمم الغرافيك الشهير، ستيفان ساغمايستر، بإغلاق مكتبه في نيويورك لعام كامل، يرفض فيه أن يقبل أي عمل، لكي يتفرغ لممارسة الأشياء التي يُحبها، حتى إنه رفض مرة تصميم إعلانات لحملة باراك أوباما. وعندما كان بيل غيتس رئيساً لـ«مايكروسوفت»، كان ينقطع عن العمل مرتين في العام، يقضي في كل مرة أسبوعاً كاملاً، سمّاه «أسبوع التفكير»، لا يفعل فيه شيئاً سوى قراءة مئة صفحة تقريباً عن مستقبل التكنولوجيا، وكيف يمكنه أن يُطور «مايكروسوفت». أما الطاهي الإسباني الشهير، فيران أدريا، الذي يعتبره كثير من الخبراء أشهر طاهٍ في العالم وصاحب نجمات ميشلان الثلاث، فقد كان يُغلق مطعمه الشهير «إل بُولي» في كتالونيا لخمسة أشهر في كل عام، يتفرغ فيها مع فريق عمله لابتكار وجبات جديدة. قد يقول قائل إن فيران كان يخسر كثيراً من الزبائن! لكن في الحقيقة فإنه كان يخدم في كل عام ثمانية آلاف شخص، وكان على قائمة الانتظار مليونان ومئتا ألف طلب! وقد يقول آخر إن ابتعاد ستيفان عن التصميم لعام كامل قد يفقده إبداعه، إلا أن ستيفان اكتشف أن كل التصاميم الجميلة التي يبدعها في السنوات السبع اللاحقة كانت نتيجة لتفرغه لنفسه في ذلك العام.

«لكننا نستمتع بالحياة كل يوم» جملة سمعتها من صديق وهو ينظر في هاتفه، وأخذ يحدثني عن وظيفته التي جعلته ينقطع عن أصدقائه، لكنها في الوقت نفسه تُشعره بالإنجاز في حياته وبأهميته في المجتمع. ثم أبحر بي في عالم المطاعم الجديدة والهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية، محاولاً إقناعي بأنه يملك مفاتيح السعادة، فأخبرته عن دراسة قال فيها مجموعة من الناس إنهم يفضلون أن يتوقفوا عن ممارسة الجنس لشهر كامل على أن ينقطعوا عن الإنترنت! وفضّل آخرون الامتناع عن الاستحمام على فقدان «الواي فاي» في منازلهم ومكاتبهم. ومجموعة أخرى فضّلت الاستغناء عن الأصدقاء بدل الإنترنت. والتفسير العلمي لذلك بسيط، إنه إدمان مادة كيميائية في الجسم اسمها «دوبامين» أو هرمون المُتعة كما يُسميه البعض، فمع كل ضغطة «لايك» وكل تعليق نحصل عليه في «السوشيال ميديا» يتدفق الدوبامين في الجسم، تماماً مثلما يحصل عند أكل وجبة لذيذة أو ممارسة علاقة حميمة، أو عند الشعور بأنك أنجزت عملاً مهماً في وظيفتك اليومية.

كلنا نحب هواتفنا الذكية، حتى إن شركة «دِسكوت» أجرت دراسة لتعرف مدى تعلقنا بها، فاكتشفت أن المدمنين على هواتفهم يفحصون التنبيهات فيها بمعدل 5427 مرة كل يوم، أما غير المدمنين فيفحصونها 2617 يومياً! نعم نحب هواتفنا ونحب العمل، وأنا شخصياً أرفض الاستغناء عنهما، لكنني أيضاً أرفض أن أسافر أو أن أزور مطعماً من أجل التصوير لـ«السوشيال ميديا» فقط، وأرفض أن تكون صداقاتي عبر الهاتف وفي المكتب فقط. لا أريد أن تبقى ذكرياتي وحواراتي وتجاربي رهينة المحبسين، الهاتف والوظيفة. أريد أن أتمعن في الحياة من حولي، في الألوان والروائح، في أصوات الشوارع والأسواق ووجوه المارة، أريد أن أعيش اللحظات الجميلة بكل تفاصيلها حتى أشكّل ذكريات تبقى معي طوال العمر.

مدمنو الشاشات والمكاتب قلّما يُبدعون، لأنهم مشتتون، لا وقت لديهم للتركيز والتأمل وبالتالي للإبداع. في عام 1935 كتب الفيلسوف الإنجليزي، برتراند راسل، مقالة طويلة سماها «في مدح الكسل» قال فيها: «أعتقد أن العمل الذي يُنجَز في العالم، يزيد عما ينبغي إنجازه بكثير».

أين رجال أعمالنا؟

Image

لو كانت لديَّ أموال وخُيّرتُ بين بناء مسجد وتوزيع تطعيمات على المصابين بالأوبئة المنتشرة في المناطق المنكوبة بإفريقيا وآسيا، لاخترتُ الثانية. فالله تعالى يقول: «وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جميعاً»، لكن التفضيل العام لدى أكثر المتبرعين، وأصحاب الأموال على وجه الخصوص، هو بناء المساجد، لما في ذلك من «أجر مباشر»، لأنهم لم يسمعوا من رجال

إقرأ المزيد

في بيتنا عثماني

Image

في دراسة أجرتها الدكتورة بدرية الجنيبي، من جامعة الإمارات، ونشرتها صحيفة «ذا ناشيونال» قبل يومين، اكتشفت أن نسبة كبيرة من الطلبة يشاهدون مسلسلات أجنبية مدبلجة. حيث قال 54% من الـ500 شخص الذين خضعوا للدراسة، إنهم يتابعون مسلسلات تركية، وقال 18% إنهم يشاهدون مسلسلات كورية، و14% يشاهدون مسلسلات هندية، كلها مدبلجة إلى اللغة العربية. لكن متابعة

إقرأ المزيد

التالي!

Image

مازلتُ أذكر هذا المشهد عندما كنتُ صغيراً؛ أبناء عمّتي يفتحون حقائبهم بعد عودتهم من رحلة صيفية إلى باريس، ويخرجون الصور التي التقطوها في أحد الاستديوهات هناك، حيث لبسوا أزياء قديمة وتصوّروا، كما يفعل غالبية السياح. ثم أخرَج أحدهم مجموعة أفلام؛ وقال إنه سيذهب بها في اليوم الثاني «لتحميضها» في الاستوديو. قضينا ساعات نستمع إلى حكاياتهم

إقرأ المزيد