أين رجال أعمالنا؟

أرشيف

لو كانت لديَّ أموال وخُيّرتُ بين بناء مسجد وتوزيع تطعيمات على المصابين بالأوبئة المنتشرة في المناطق المنكوبة بإفريقيا وآسيا، لاخترتُ الثانية. فالله تعالى يقول: «وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جميعاً»، لكن التفضيل العام لدى أكثر المتبرعين، وأصحاب الأموال على وجه الخصوص، هو بناء المساجد، لما في ذلك من «أجر مباشر»، لأنهم لم يسمعوا من رجال الدين من يقول إن إنقاذ حياة المصابين بالأمراض والأوبئة فيه أجر ربما أكثر من بناء المساجد! هذا التفكير الذي تشوبه الأنانية، متغلغل في فكر العمل الخيري في العالم الإسلامي، فنحن لا نعطي من أجل مساعدة الإنسان وجعل الأرض مكاناً أفضل للعيش، بل من أجل أن نحصل على أجر وندخل الجنة، فكل ما نقوم به «لوجه الله» هو في الحقيقة لمصلحة شخصية، وهُنا أتذكر قول الزاهدة العابدة رابعة العدوية: «إن استغفارنا يحتاجُ إلى استغفار لقلّة الصدق فيه».

هنالك فرق بين كلمتي (Charity) التي تُترجم حرفياً إلى «صدقة» وبين (Philanthropy) التي تُترجم إلى «إحسان» لكنني أفضّل استخدام «تنمية» لوصفها. فالصدقة توجه للمحتاجين، وغالباً بشكل مباشر، أما الأعمال التنموية التي يقوم بها العديد من الأغنياء حول العالم، فتذهب إلى أبعد من ذلك، إنها تُعلم الناس كيف تصطاد ولا تكتفي بإعطائهم أسماكاً. ففي عام 2010 أعلن بيل غيتس، ووارن بافيت، وهما مِن أثرى أثرياء العالم، عن تأسيس «تعهّد العطاء»، الذي دعوا فيه أثرياء العالم للتعهد بالتبرع بنصف ثرواتهم على الأقل لتنمية قطاع ما، كالتعليم، أو الصحة أو التكنولوجيا أو غيرها. وفعلاً التزم معهما 158 ثرياً بمجموع مبالغ وصل إلى 365 مليار دولار، كان منهم فتى اسمه دَسْتِن موسكوفيتز، وهو أحد مؤسسي «فيس بوك»، حيث تبرع بثمانية مليارات دولار، وهو لايزال في العشرينات من عمره حينها. وتبرع أيضاً مارك زوكربيرغ، مؤسس فيس بوك، عام 2015 بـ99% من ثروته - البالغة اليوم أكثر من 73 مليار دولار - لتنمية قطاعات التعليم، والصحة، والتقنية، وإعادة هيكلة نظام الهجرة في الولايات المتحدة. وفي عام 2016 خَصص ثلاثة مليارات دولار لإجراء أبحاث ودراسات، للقضاء على كل الأمراض البشرية في حياة أطفالنا، أي أنها ستنتهي قبل انتهاء هذا القرن. أما لاري أليسون مؤسس شركة أوراكل، فلقد تبرع بمبلغ 430 مليون دولار لتمويل أبحاث ودراسات وابتكار أدوية وعلاجات، للقضاء على الشيخوخة. ولا أظن أن الحديث عن دور بيل غيتس في محاربة الأوبئة حول العالم ضروري، لأنه يوشك قريباً، بدعم سخي من الوالد الشيخ محمد بن زايد، على القضاء على مرض شلل الأطفال تماماً.

بعد هذا السرد السريع عن دور رجال الأعمال، الذي يصب ليس في دعم عجلات التنمية فقط، بل في الارتقاء بالجنس البشري أينما كان، يُلِحّ سؤال مؤلم: أين رجال الأعمال اليوم من تطوير المجتمع؟ لاشك في أن كثيراً منهم لديهم تبرعاتهم الخيرية التي يُشكرون عليها، لكن متى سينتقلون من فكرة التبرعات الخيرية إلى الاستثمارات التنموية الخيرية، كما فعل جمعة الماجد عندما أسس كلية الدراسات الإسلامية والعربية؟ وكما فعل حسين سجواني عندما رعى مبادرة تدريب «مليون مبرمج عربي». أين هم من تخصيص صناديق لتمويل ابتعاث الشباب للتخصص في علوم المستقبل؟ أين هم من دعم مراكز الأبحاث، والاستثمار في مختبرات الجينات، وتخصيص جوائز لعلوم الفضاء، وتطوير البنى التحتية، والإسهام في إسكان المواطنين؟ لماذا يقع كل هذا على عاتق الحكومة التي ساعدتهم وأرست عقوداً بمليارات الدراهم على شركاتهم في العقود الماضية؟ قال أحد خبراء الاقتصاد: «من السهل أن تُنفق الأموال، لكن من الصعب أن تنفقها بالشكل الصحيح».

أين رجال أعمالنا؟

Image

لو كانت لديَّ أموال وخُيّرتُ بين بناء مسجد وتوزيع تطعيمات على المصابين بالأوبئة المنتشرة في المناطق المنكوبة بإفريقيا وآسيا، لاخترتُ الثانية. فالله تعالى يقول: «وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جميعاً»، لكن التفضيل العام لدى أكثر المتبرعين، وأصحاب الأموال على وجه الخصوص، هو بناء المساجد، لما في ذلك من «أجر مباشر»، لأنهم لم يسمعوا من رجال

إقرأ المزيد

في بيتنا عثماني

Image

في دراسة أجرتها الدكتورة بدرية الجنيبي، من جامعة الإمارات، ونشرتها صحيفة «ذا ناشيونال» قبل يومين، اكتشفت أن نسبة كبيرة من الطلبة يشاهدون مسلسلات أجنبية مدبلجة. حيث قال 54% من الـ500 شخص الذين خضعوا للدراسة، إنهم يتابعون مسلسلات تركية، وقال 18% إنهم يشاهدون مسلسلات كورية، و14% يشاهدون مسلسلات هندية، كلها مدبلجة إلى اللغة العربية. لكن متابعة

إقرأ المزيد

التالي!

Image

مازلتُ أذكر هذا المشهد عندما كنتُ صغيراً؛ أبناء عمّتي يفتحون حقائبهم بعد عودتهم من رحلة صيفية إلى باريس، ويخرجون الصور التي التقطوها في أحد الاستديوهات هناك، حيث لبسوا أزياء قديمة وتصوّروا، كما يفعل غالبية السياح. ثم أخرَج أحدهم مجموعة أفلام؛ وقال إنه سيذهب بها في اليوم الثاني «لتحميضها» في الاستوديو. قضينا ساعات نستمع إلى حكاياتهم

إقرأ المزيد