من أرسطو إلى غوغل

أرشيف

عندما يسألني الشباب اليوم ماذا يدرسون، أنصحهم بدراسة تخصصات جديدة في الفيزياء وعلوم البيئة والفضاء، لأن كثيراً من التخصصات القديمة قد تلاشى، وبرزت الحاجة لعلوم جديدة. ورغم أن مجتمعاتنا العربية تحتاج إلى علماء في فيزياء الكم والبيولوجيا الجزئية أكثر من حاجتها لروائيين ومؤرخين، إلا أن هذا لا يعني أن الفيزياء أهم من الأدب، ولا أن علوم الفضاء أهم من الفلسفة والمنطق. اذهب إلى أعرق الجامعات في العالم وستجدها تُدرّس الأدب بجانب الفيزياء، لأنها تدرك بأن الدراسات الاجتماعية إحدى الركائز الحضارية التي تقوم عليها المجتمعات أينما كانت.

شاهدتُ مرة فيلماً وثائقياً عن السحر والخدع البصرية، وكانت دهشتني كبيرة عندما قرأتُ تخصص أحد الخبراء الذين كانوا يظهرون في الفيلم، حيثُ كتِبَ تحت اسمه «مؤرّخ في السحر»، وكان يُدرّس في إحدى الجامعات!

إن الفضول البشري الذي دفع شخصاً ليتخصص في تاريخ السحر، وغيره ليتخصص في البط ويُحلّق معها في السماء بطيارة خاصة، وآخر ليمضي كل حياته في دراسة نباتات منطقة ما، هو بالضبط ما يدفع بالحياة للازدهار والتمدد والنمو، لأن المعرفة حينها تتحول إلى قيمة حية في المجتمع، فتُولَد مراكز أبحاث ومؤسسات علمية ومختصون ودارسون في كل شيء، من تعديل جينات الإنسان إلى البحث عن حياة خارج الأرض. هذا الأفق الشاسع من العلوم والمعارف يُسمّى بلغة اليوم «حضارة».

كنتُ - ومازلتُ - أتحدث عن الفلسفة والمنطق، وأسوق على مسامع من لا يُؤْمِن بضرورة تعلمهما حكاية المعتزلي بِشْر بن المُعتمر، الذي سأله أتباع الطائفة السامانية في الهند سؤالهم الشهير: «هل يستطيع ربك أن يخلق إلهاً مثله؟» وهو سؤال يُسمى «صيغة إحراج»، حيث إن الإجابة سواء كانت بنعم أو بلا فإن فيها انتقاصاً من الذات الإلهية. إلا أن بِشْراً قال لهم: «هذا سؤال خاطئ في أصله، فالخالق قديم والمخلوق مُحدَث، ولا يمكن أن يكون المُحدث مثل القديم». وقد تقول عزيزي القارئ إن هذه الإجابة ليست قاصمة، وسأقول لك نعم، وهنا تُعلمنا الفلسفة بأنه ليس كل سؤال في الحياة يجب علينا أن نُجيب عنه، بل إن كثيراً من الأسئلة هدفها استثارة التفكير، وتحفيز العملية الإبداعية في عقل الإنسان.

عندما بحث أرسطو في العلوم الطبيعية فشل فشلاً ذريعاً، لكنه تميز في علم المنطق، وعندما بدأت حركة التفلسف في الشرق الإسلامي كان تعلم منطق أرسطو وتطويعه ونقده من الركائز الأساس التي قامت عليها علوم المسلمين التي نمت وتطورت عبر السنين، حتى إنه لا يمكن دراسة أصول الدين دون دراسة المنطق، لدرجة أن أبا حامد الغزالي قد قال: «مَن لم يدرس المنطق، لا يوثق بعلمه».

في بدايات القرن العشرين، تساءل الفيلسوف والرياضي برتراند راسل وأستاذه ألفرِد وايتهِد عن الأساس المنطقي لمسألة بسيطة، وهي لماذا (١+١=٢)، فلم يجدا جواباً منطقياً، فقررا أن يكتبا كتاباً استغرق 10 سنوات وأكثر من 360 صفحة، لمحاولة إيجاد أرضية منطقية لتفسير هذه المسألة الرياضية البسيطة. وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل كان راسل ووايتهِد، اللذان يُعدان من أكبر العقول العلمية، يُضيعان وقتهما في ذلك البحث الذي قد تبدو إجابته بديهية؟ بالطبع لا، لكنهما أدركا أن الفيزياء والرياضيات تحتاجُان إلى المنطق لفهمها، وإلى الفلسفة لـ«أنسنتها»، أي وضعها في قالب إنساني، لترتقي بالعقل وتُهذبه.

لولا منطق أرسطو لما استطعنا اختراع لغات البرمجة الموجودة اليوم، لأنها قائمة على فرضيات منطقية.. أي يمكننا أن نقول إنه لولا أرسطو لما وُجدت «غوغل»، ولولاهما لكانت الحياة مكاناً مُملّاً، ممتلئاً بالجهل والأمراض والتطرف.

السؤال أهم أم الإجابة؟

Image

إذا قرأتَ هذه الجملة: «أنا جُملة كاذبة» فهل تصدقها أم تكذِّبها؟ إن صدّقتها فقد أخطأت، لأنها تقول إنها كاذبة، وإن كذّبتها فقد أخطأتَ أيضاً، لأنها بذلك تصبح صادقة، وهي تنفي الصدق عن نفسها. فما الإجابة الصحيحة إذاً؟ في الحقيقة الإجابة ليست مهمة هنا، وفي كثير من تساؤلات الحياة فإنها ليست مهمة، فليس الهدف من الأسئلة

إقرأ المزيد

من الأقْصُر إلى أسوان

Image

في عام 1881؛ اكتشف عالم الآثار العراقي الأصل، هرمز رسام، المتخصص في الحقبة الآشورية، لوحاً طينياً يعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد، يحمل خريطة بابل كما تصورها أهلها، التي يُعتقد أنها أول خريطة في التاريخ، وتُسمّى «خريطة العالم البابلية». لم يكن الهدف من رسم تلك الخريطة هو الاستدلال على الأماكن، بل إبراز سُلطة الدولة وهيبتها؛

إقرأ المزيد

اللهم صبّر حكومتنا علينا!

Image

عندما وقف الوالد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد على المنصة، وقال: «سنحتفي بتصدير آخر برميل نفط بعد 50 عاماً»، وربط ذلك بشرط الاستثمار الصحيح في التعليم اليوم، كيف شعرتَ كمواطن إماراتي؟ أنا شخصياً غمرني الفرح، وتفاءلتُ كثيراً بأن قيادتي تُعد العدّة للمستقبل، شأنها في ذلك شأن المؤسسين، رحمهم الله، الذين لولا استثمارهم في الإنسان

إقرأ المزيد