المستقبل ليس كما نظن

أرشيف

في القمة العالمية للحكومات التي انتهت دورتها السادسة، أمس، اجتمع آلاف الخبراء والمتخصصين وصُنّاع القرار في العالم ليناقشوا قضية رئيسة: «المستقبل». بالنسبة لي لا يوجد حدث سنوي أهم من هذا، حيث تحول إلى أكبر منصة عالمية للحكومات، وأجمل ما فيه أن الحديث عن السياسة قليل جداً في مقابل الحديث عن المستقبل ودور الحكومات فيه، وماذا ينتظر البشرية.

ورغم أنني من عُشاق المستقبل، ولي برنامج يتحدث عن علومه وتقنياته، فإننا نحتاج للتحلي بالعقلانية عندما نتحدث عنه، ففي القمة الحكومية تساءل عالم الفضاء نيل دغراس تايسون عن السبب الذي يدفع البشرية للذهاب إلى المريخ، بالطبع هناك أسباب عديدة، من أهمها تطوير الجنس البشري الذي سيخترع ويبتكر ويُطوّر علوماً كثيرة، ليتمكن من الوصول إلى الكوكب الأحمر، ما يعني التغلب على أمراض مستعصية، وظهور اختراعات أفضل، ونمو اقتصادي أكبر. فبحسب الأرقام التي استعرضها تايسون في جلسة «غزو الفضاء» فإنه من الخمسينات حتى عام 2010 كانت أعلى نسبة للناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة بين عامي 1960 و1970؛ أي في الفترة التي استثمرت فيها الحكومة بشكل كبير في علوم الفضاء حتى هبط الإنسان على القمر. إلا أن دغراس، بعد أن استعرض أهمية برامج الفضاء، قال إننا نحتاج لنكون عقلانيين في استيعاب فكرة الحياة فوق المريخ، ولا نندفع بأفلام الخيال العلمي، حيث عرض صورة للوضع القاسي في القطب المتجمد الشمالي الذي تنعدم فيه الحياة تقريباً، وقال «المريخ أكثر قسوة من هذا المكان بكثير».

أما بالنسبة للذكاء الاصطناعي، فلقد حظيتُ بزيارة متحف دبي للمستقبل ولقاء وزير الذكاء الاصطناعي عمر العلماء، الذي يحمل نظرة واقعية تجاه المستقبل مثل دغراس وربما أكثر. ركّز المتحف هذا العام على استعراض دور الذكاء الاصطناعي في إدارة حكومات المستقبل، إلا أنه أيضاً تحدث عن المخاطر العديدة لهذه التقنية التي قد تصل إلى مرحلة من الذكاء والاستقلالية إلى الحد الذي تتخذ عنده قرارات بشن دول ما حروباً على دول أخرى، أو ربما إطلاق صواريخ نووية على دولة يعتقد الذكاء الاصطناعي أنها تهدد أمن البلد الذي يعيش فيه. أعلَمُ أن بعضكم يضحك وهو يقرأ هذه السطور، وهذا ما فعلتُه تماماً عندما رأيتُ صديقاً يُصوّر حياته اليومية في «سناب شات» قبل أعوام وقلتُ له إنه مجنون، وبعد عام صار ذلك الجنون شيئاً من مُسلّمات الحياة.

تحدث عمر، ليس فقط عن مخاطر الذكاء الاصطناعي، ولكن أيضاً عن التحديات التي تواجه دول المنطقة لإعداد أجيال من الشباب ليكونوا منتجين لتقنياته، وليس مستهلكين فقط، وهذه بالنسبة لي أحد أكبر التحديات التي ستواجهنا في السنوات المقبلة.

أخيراً تحدث مالكوم غلادوِل، مؤلف كتاب «نقطة التحول» وغيره من الكتب الشهيرة، عن طريقة تعامل الحكومات مع شعوبها في المستقبل، حيث قال إن الحلول الجماعية لمشكلات المجتمع لن تكون صالحة، وستحتاج الحكومات لإيجاد حلول فردية في التعليم والشؤون الاجتماعية وغيرها من المسؤوليات الملقاة على عاتقها، إذ إن الفردانية في ازدياد، وتباين القدرات والحاجات الفردية بدأ بخلق فجوة بين الناس، فما يناسبك ويصلح لك قد لا يناسبني، ولكن من حق كلينا أن يحصل على فرصته في الخدمات الحكومية تبعاً لحاجته.

«المستقبل جميل».. هذا ما أقوله دائماً، لكن ربما لأنه الشيء الحتمي في حياتنا نقول لأنفسنا ذلك! نعم لا شيء أكيد في هذه الحياة أكثر من بزوغ شمس غد، ورغم كل التحديات والمخاطر المطوية تحت رداء المستقبل، فإننا سنقبل عليها حتماً.

شكراً للأخ الكبير محمد القرقاوي وفريق عمله لتنظيم القمة العالمية للحكومات.. شكراً لأنكم أتيتم بالعالم والمستقبل إلى الإمارات.

السؤال أهم أم الإجابة؟

Image

إذا قرأتَ هذه الجملة: «أنا جُملة كاذبة» فهل تصدقها أم تكذِّبها؟ إن صدّقتها فقد أخطأت، لأنها تقول إنها كاذبة، وإن كذّبتها فقد أخطأتَ أيضاً، لأنها بذلك تصبح صادقة، وهي تنفي الصدق عن نفسها. فما الإجابة الصحيحة إذاً؟ في الحقيقة الإجابة ليست مهمة هنا، وفي كثير من تساؤلات الحياة فإنها ليست مهمة، فليس الهدف من الأسئلة

إقرأ المزيد

من الأقْصُر إلى أسوان

Image

في عام 1881؛ اكتشف عالم الآثار العراقي الأصل، هرمز رسام، المتخصص في الحقبة الآشورية، لوحاً طينياً يعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد، يحمل خريطة بابل كما تصورها أهلها، التي يُعتقد أنها أول خريطة في التاريخ، وتُسمّى «خريطة العالم البابلية». لم يكن الهدف من رسم تلك الخريطة هو الاستدلال على الأماكن، بل إبراز سُلطة الدولة وهيبتها؛

إقرأ المزيد

اللهم صبّر حكومتنا علينا!

Image

عندما وقف الوالد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد على المنصة، وقال: «سنحتفي بتصدير آخر برميل نفط بعد 50 عاماً»، وربط ذلك بشرط الاستثمار الصحيح في التعليم اليوم، كيف شعرتَ كمواطن إماراتي؟ أنا شخصياً غمرني الفرح، وتفاءلتُ كثيراً بأن قيادتي تُعد العدّة للمستقبل، شأنها في ذلك شأن المؤسسين، رحمهم الله، الذين لولا استثمارهم في الإنسان

إقرأ المزيد