بيكاسو وستاربكس

أرشيف

مقدمة الكتاب:

“في ستاربكس عليك أن تتخذ ستة قرارات لتشتري كوب قهوة واحد. قصير، طويل، خفيف، ثقيل، بدون كافيين، مع حليب قليل الدسم.. وبالتالي يتمكّن الناس الذين لا يتسطيعون اتخاذ قرارات في حياتهم، والذين لا يعرفون من هُم أو ماذا يفعلون على الكرة الأرضية، أن يشعروا بالرضى عن أنفسهم لأنهم استطاعوا أن يشتروا كوب قهوة صغير” هكذا يُعرّف الممثل الأمريكي (توم هانكس) ستاربكس في فيلمه الرائع (استلَمتَ بريداً) حيثُ يرى فيه مكاناً يُغويك لإدمانه ثم يفرضُ عليك نمط حياة آخر.

ستاربكس هو إسقاطٌ مصغّرٌ للحياة التي نعيشها، فكل شيء فيه سريع، حتى تحضير القهوة الذي يُفترضُ أن يتمّ على تُؤدةٍ، يتعمّد موظفوا المقهى أن يستعجلوه أمامك لكي تأخذها وتمضي دون أن تتحدث إلى أحدهم، حتى لا تُربكَ تدفّق الزبائن وتخرق تقاليد المكان. يمنحكُ ستاربكس خياراتٍ كثيرة، ولكن ليست كلها حقيقية، وهذا ما أوردتهُ في موضوع (هل خياراتنا حقيقية؟) حيث افترضتُ أن الخيارات الحقيقية هي الخيارات التي نقوم بها بأنفسنا، لأنها تعكس رغباتنا وطموحاتنا، والخيارات الكاذبة هي تلك التي يقوم بها الآخرون بالنيابة عنا. إلا أننا نستمتع كثيراً، ودون أن نشعر أحياناً، بكثير من الخيارات الزائفة، وخصوصاً تلك التي تتعلّق بالقهوة وطريقة ارتشافها.

أما بيسكاسو فإنه قد فُرِضَ علينا بفنّه الغريب، وعلى كل من تحدّث عنه أن يحترم عمله ويقدّره لأنه أحد أشهر فناني القرن العشرين، هكذا يقول الخبراء الذين لم نعرف أسماءهم يوما، وعليك إذا وقفتَ أمام إحدى لوحاته أن تقف بصمت وتُبدي إعجابك، فالامتعاضُ مرفوضٌ جملة وتفصيلاً لأنك بذلك تكون غير متذوق للفن وغير آبه بالإبداع، وهو ما يقع تحت طائلة العبودية، مثلما ورد في موضوع (العبيد الجدد) حيث يستعبد الإنسان نفسه بنفسه، ولا ينفكّ يتلذذ بتلك العبودية حتى في أحلك ساعاتها المظلمة، لأنه يظنّ بأن انغماسه في الظلام سيؤدي به إلى النور لا محالة، وخصوصاً إذا كانت عبودية ملوّنة كإحدى لوحات بيكاسو المُعقّدة.

وجه الشبه بين بيكاسو وستاربكس أنهما مثالٌ للا مبالاة، فهما أقرب إلى الفوضى المنظّمة، كما أنهما يُعطيان قيمة لأشياء قد لا تستحق قيمة، ويفرضان علينا، بجمال وهدوء، اعتناق مبادئ جديدة ثم تصديقها على مضض، حتى ونحن نتجرّعها بمرارة شديدة.

الصفحات القادمة تقولُ ما لَم يُقَل بعد، عن الإنسان والحياة، عمّا يجمعهما ويفرّقهما.. إنها تحكي لنا، ثم تحكي عنّا.

Goodreads:https://www.goodreads.com/book/show/10706934 

شاشة رمضان والسحر الأسود

Image

إبّان عصور الظلام في أوروبا، انتشر ما كان يعرف بـ«السحر الأسود»، الذي كان يُعتقَد أنه من فعل الأرواح الشريرة التي يستعين بها السحرة والمشعوذون، إلا أننا لم نعد نسمع بذلك السحر اليوم، فلقد أخذ بالاضمحلال حتى القرن العشرين، والسبب الأول والأكبر في ذلك هو طابعة غوتنبرغ! فقبل الطابعة، كان نسخ الكتب يستغرق وقتاً طويلاً، وكان

إقرأ المزيد

استعادة مصطفى محمود

Image

لاحظتُ أخيراً انتشار مقاطع فيديو للدكتور الراحل مصطفى محمود – طيب الله ثراه – على «يوتيوب» ووسائل التواصل، واستشهاد الناس بكلامه عن الاكتشافات العلمية التي لها إشارات في القرآن الكريم. المقاطع كانت من برنامجه الشهير «العلم والإيمان»، الذي حاول من خلاله ربط الآيات القرآنية بالاكتشافات العلمية. إلا أن القرآن ليس كتاب فيزياء أو فضاء، بل

إقرأ المزيد

موتٌ صغير

Image

عندما التقيتُ لأول مرة بفضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف أحمد الطيّب – طيّبَ الله طريقه – في مكتبه قبل سنوات، جلستُ صامتاً كوني أصغر الحاضرين سنّاً. وعندما حان وقتي للحديث، قلتُ له: «يجمعنا موتٌ صغير يا مولانا». فضحك لكلامي، وقال: «رحم الله الشيخ الأكبر». فشيخ الأزهر متخصصٌ في فكر مُحيي الدين بن عربي، الذي

إقرأ المزيد