تابعتُ برنامجاً وثائقياً شيّقاً في “قناة التاريخ” يستعرض تاريخ الإنسان والحضارات منذ بدء الخليقة وحتى وقت قريب. ولفتت انتباهي الحلقة التي تتحدث عن حياة القائد المنغولي “جنكيز خان” الذي على الرغم من أنه كان دموياً وقاسياً ومجرماً؛ أباد شعوباً وانتهك أعراضاً، إلا أنه حقق لأمّته في خمسة وعشرين عاماً ما لم تحققه الإمبراطورية الرومانية خلال أربعة قرون. فوسع دولته ووطدها بشكل يعجز المرء عن وصفه. ولا يهمنا في هذا السياق فداحة جرائمه، فلا ريب أنه كان أحد طغاة التاريخ، إلا أنه لا ريب أيضاً كانت له إنجازات كثيرة، خصوصاً وأنه …
أكمل القراءة ←مجتمعنا المُرتبك
يدخل مركزاً تجارياً مرتدياً ثوباً وحاسراً رأسه، أو يضع فوق رأسه قبّعة (كاب) فتتخاطفه نظرات بعض الناس مستنكرة تلك الصورة. ثم يدخل مرة أخرى ببنطال وقميص فلا يلاحظه أحد، إلا عندما يعرفون بأنه مواطن إماراتي، فإنهم حينها يزدرونه أكثر؛ لأنه غير ملتزم بالعادات والتقاليد، وقد يصفونه بأنه ثائر عليها. سألتُ مجموعة من الأصدقاء عن رأيهم في هذا الموضوع، فقال أحدهم بأن مجتمعنا منقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول قسمٌ شرقي، نسبة إلى تمسكه بالعادات المحلية «الشرقية». والثاني غربي، ترك عاداته وتقاليده، ثار عليها، وتسربل بكل ما هو عالمي؛ في لبسه وشكله …
أكمل القراءة ←الانتصار للنفس
وُلِدَ عام 1935 حين كانت النازية الألمانية آخذة في الصعود، ثم أتت الحرب العالمية الثانية، تلتها الحرب الكورية، ثم حرب فيتنام. يقول بأنه كان شاهداً على كثير من العنف باسم الحرية، إلا أن أغلب تلك الحروب فشلت في إيجاد عالم سعيد وصحي. بل نتج عنها كثير من الخوف، والقلق والضيق. هكذا يصف (الدلاي لاما) حال العالم الذي نشأ فيه، وخسارته لبلاده (التبت) التي تسيطر عليها الصين حتى اليوم. ثم يقول بأنه أحب الساعات والمال، والكلاب والقطط، ولكنها عجزت كلها عن إسعاده، ولم توجد له سلاماً داخلياً، حاله في ذلك حال …
أكمل القراءة ←العالم ليس جزءا من الإسلام
وافقت السلطات السويدية قبل أيام بالسماح لمسجد (فتيجا) الكائن في إحدى ضواحي العاصمة ستوكهولم برفع الأذان لأول مرة في تاريخ السويد، لمدة خمس دقائق كحد أقصى وقت صلاة الجمعة. وعندما تقرأ التعليقات المكتوبة تحت الخبر، تجد أنها مليئة بالتكبير والدعاء بعزة الإسلام، والمجد لراية التوحيد. فكّرتُ قليلاً: ماذا لو كنتُ أحد السويديين الذين صوتوا للسماح بالأذان وقرأتُ هذه التعليقات، هل سأندم على دعمي وإيماني بحق المسلمين، وأي طائفة دينية أخرى في السويد، بممارسة شعائرها في العلن؟! ثم فكرّتُ أكثر: لماذا ننظر إلى هذه الأخبار والأحداث في الغرب، التي من المفترض …
أكمل القراءة ←لماذا لا نُحسن الفرح؟
تكتب شيئا مفرحاً في تويتر فيباغتك أحدهم بتغريدة عن الآخرة والموت، ولا يفتأ يذكّرك بالحساب والعقاب. تتابع مئات التغريدات يومياً فتجد أغلبها يدور حول الحروب والدماء والقتل. والخلافات الطائفية والعرقية، والصراعات الطبقية في عالمنا العربي، مما يدفعك للتساؤل: أين اختفى الفرح؟ وهل حالتنا الاقتصادية اليوم أسوأ من أجدادنا الذين عاشوا في الخيام وبيوت العريش قبل ستين عاماً حتى نكون، على ما يبدو، أتعس منهم؟ كانت جدتي رحمها الله مريضة، ومنذ أن أدركتُ الدنيا لم أرها ترفل بصحة جيدة. إلا أنها لم تكن تكثر من الحديث عن المرض، بل كانت امرأة …
أكمل القراءة ←هوامش
على هوامش الحياة ارتكبنا حماقات كثيرة؛ أذنبنا، اقترفنا أخطاء وموبقات، ثم رحنا نتوب في وسط الصفحات، على السطور البارزة حتى يظن الناس أننا أنقياء طيبون. علمتنا الهوامش أن أجمل لحظات حياتنا هي التي لا نهتم بتدوينها وننسى أن نوثقها في دفاتر التاريخ. لذلك نعود بعد زمن طويل ونتذكر ثم نكتب على أطراف الصفحات، وبخط صغير، جُملاً قصيرة تبدأ بكلمة “ملاحظة”. كم جميل أن يذيل أحدنا رسائله بالملاحظات. كنت أفعل ذلك دائماً، وخصوصا في الرسائل الرسمية التي كنت أرسلها بالبريد الإلكتروني. اكتشفت الآن بأنني كنت أكتب بعدها تعليقات فكاهية، وإشارات عاطفية …
أكمل القراءة ←أشياء تدفعنا للحياة
رأيته يتحدث على المنصة عن مواضيع عدة تتعلق بالعمل الحكومي. كان مرتاحاً ومبتسماً ويجيب عن الأسئلة بدقة تنم عن إلمامه بعمله جيداً. اتصلت لأهنئه وقلت له بأنه تحدث أمام الناس بنفس الطريقة التي حدّثني فيها عن عمله قبل عدة أشهر عندما كنا في رحلة معاً، وسألته عن سر ذلك الارتياح الغامر، فقال لي: “لأنني أعيش هذه التفاصيل يومياً، فلم أكن في حاجة إلى تحضير.” إلا أن صديقي هذا الذي يرهق نفسه بالعمل كثيراً، لا ينفكّ يضحك ويبتسم ويصل الناس في أفراحهم وأحزانهم. لم أره يوماً غاضباً أو مكتئباً، بل إنه …
أكمل القراءة ←الفقيه المُجدِّد والفقيه الفضائي
يروي الدكتور عبدالله الغذامي في كتابه «الفقيه الفضائي»، قصة جرت أحداثها في الثلاثينيات من القرن الماضي، عندما تم تركيب مكبرات صوت في الحرم المكي الشريف. فقد ثار الناس على ذلك الاختراع الجديد، وعلى رأسهم الشيخ النقشبندي الذي حرّمه على الفور، ثم راح يرشقها بالحجارة، وعندما عجز عن «إنكار المنكر بيده» كما ورد في الكتاب فإنه هاجر إلى الطائف. ثم ذهبت مجموعة من رجال الدين إلى مجلس الملك عبدالعزيز بن سعود، وتحدثوا معه في أمر ذلك المنكر الدخيل عليهم، فاستشار الملك من كان حاضراً. وبعد نقاش طويل سأل الشيخ محمد المانع …
أكمل القراءة ←اليوم الأخير
لميخائيل نعيمـة رواية جميلة عنوانها “اليوم الأخير” تحكي قصة رجـل يسمع في منامه صوتاً يقول له “قم ودّع اليوم الأخير!” فيستفيق فزعاً متسائلا عن مصدر ذلك الصوت. ويدرك بعد قليل بأن أمامـه أربـع وعشرون ساعة قبل أن يموت، فيتذكر الأشياء المهمة التي عليه إنهاؤها قبل الرحيل، ويتساءل، طوال القصة، عن مغزى الحـياة والمـوت. وبينما هو كذلك تدخل عليه خادمته وتسأله عن سبب تغير حاله، وفي خضم حوارهما الوجودي يسألها “أم زيدان، أتعرفين ما هو الموت؟” فترد عليه “الموت هو الموت يا ابني. ما هذا السؤال؟” فيسأل “أتحبين الموت؟” فتقول “ومن …
أكمل القراءة ←ثامر .. ذلك الوفيّ
كنا جالسين في الصحراء، وبينما أنا أعدّ الشاي طلب مني أن أركب معه في دراجة نارية ذات دفع رباعي (Buggy) فرفضتُ متعللا بصنع الشاي، حيث كنت مستمتعاً بالهواء العليل وصحبة الأصدقاء ولم أرد أن أفسد تلك المشاعر بضجيج الدراجة. انطلق مع مجموعة من الشباب، وبعد دقائق قليلة اتصل بنا أحدهم وقال بأن ثامر، قريبي وصديقي منذ الطفولة، قد سقط بالدراجة من على كثيب عالٍ وبدأ ينزف. انطلقنا كالمجانين، وعندما وصلنا وجدناه ممداً على الأرض والزرقة تعلو وجهه، فأدركنا بأنه في حالة خطيرة. هبطنا حوله وأخذنا نسعفه بالضغط على صدره وبالنفخ …
أكمل القراءة ←لماذا لا نشتاق إليهم؟
عندما سافرتُ للدراسة في أمريكا قبل سبعة عشر عاماً، وكنتُ أول أصدقائي الذين اتخذوا قراراً بالدراسة في الخارج، تجمّع عدد كبير من الأصدقاء والأحباب لتوديعي في المطار. كان المشهد غريباً، فلم يكن أصدقائي هم الذين حضروا فقط، بل بعض أصدقاء أبي أيضاً. كانت تلك أصعب رحلة في حياتي، حيث لم أكتفِ بالبكاء في الطائرة، بل أصابتني حُمّى في الطريق من لندن إلى واشنطن. تكيّفتُ مع المكان بصعوبة، حيث كانت واشنطن مدينة جافة، هكذا أتذكرها، وكنتُ أقول لأبي كلما تحدثتُ معه عبر الهاتف بأنها مدينة مُظلمة؛ مليئة بالسيارات الدبلوماسية السوداء ولا …
أكمل القراءة ←لماذا نحن هنا؟
سؤال فلسفيٌ مُلتهِبٌ في صدور البشر منذ ما قبل التاريخ. وإجابته السهلة والمباشرة التي يباغتك بها البعض هي الآية الكريمة “وما خلقتُ الجن والإنس إلا ليعبدون” وجاء في تفسير القرطبي: ” قيل: إن هذا خاص فيمن سبق في علم الله أنه يعبده، فجاء بلفظ العموم ومعناه الخصوص. والمعنى: وما خلقت أهل السعادة من الجن والإنس إلا ليوحدون. قال القشيري: والآية دخلها التخصيص على القَطْع، لأن المجانين والصبيان ما أُمروا بالعبادة حتى يُقال أراد منهم العبادة، وقد قال الله تعالى: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس) ومَن خُلق لجهنم لا …
أكمل القراءة ←جدتي الخليجية
عندما كُنتُ صغيراً كانت جدتي مريم، رحمها الله، تحكي لي عن رحلاتها إلى الكويت والبحرين وعُمان. وكانت دمعة تُباغتُ مقلتها كلما ذَكَرت أصدقاءها في تلك الدول حيث لم تكن تقوى على السفر حينها. ولم تفتأ تتحدث عنهم بالخير وتذكر حكايات الأوقات الجميلة التي قضتها عندهم. وكنتُ في زيارة إلى البحرين قبل سنوات، فأخذني صديقٌ لتناول الغداء في بيت أحد أقربائه، وكان عجوزا، أصرّ على لقائي لأنه، على حد قوله، قد اشتاق لرائحة الإمارات، ولكن تردي وضعه الصحي ما عاد يسمح له بركوب الطائرة وتكبّد عناء السفر. استقبلنا بحرارة وقدم لنا …
أكمل القراءة ←من أين يأتي الإلهام؟
شاهدتُ محاضرة قصيرة قدمتها الروائية (إليزابيث جلبرت) في فعالية (تِد TED) حيث تحدثت عن نجاح روايتها (طعام، صلاة، حُب) وكيف أن الناس تسألها إن كانت خائفة من أنها لن تستطيع أن تكتب شيئا أفضل في المستقبل أم لا! وقد يكون السؤال، في رأيي، منطقيا، حيث أن بعض النجاحات الخارقة تبدو غالبا الأخيرة، ولذلك فإنها تخيف أصحابها كثيرا. ولكي تجيب إليزابيث عن تلك التساؤلات بحثت في التاريخ عن مصادر الإلهام، ووجدت أن الأفكار الإنسانية التي برزت في مرحلة النهضة الأوروبية قد ركزت على فكرة أن الإنسان هو مركز الكون والأشياء كلها. …
أكمل القراءة ←هل مات المؤلف في الميدان؟
للمؤلف سلطة على العقل، وهو المسؤول، إلى حد بعيد، عن إيجاد الأنساق الفكرية التي تشكل في مجموعها الثقافة العامة في أي مجتمع. ولكن يبدو أن فكرة (المؤلف) هذه قد سقطت؛ حيث لم يعد هو المرجع الذي يلجأ الناس إليه للإجابة على تساؤلاتهم الكبرى والمحيرة؟ أي أنه لم يعد مصدر الفكرة، ولا حتى الشرارة الأولى للإلهام. فالثورات العربية الحديثة، على سبيل المثال، لم تقم على أفكار مؤلفين أو مدارس فكرية، كما حدث في الثورتين الأمريكية والفرنسية. بل كان مصدر إلهامها الشباب الذين منحوها حيوية وديناميكية. وعلى رغم أن ذلك أدخلها في …
أكمل القراءة ←ويبقى الوطن
لو فتح فرنسي أو استرالي أو هندي الصحيفة في صباح الرابع من ديسمبر عام 1971 وقرأ خبراً صغيراً مفاده أن بضع إمارات صغيرة على ساحل الخليج العربي قد أعلنت اتحادها قبل يومين، فماذا ستكون ردة أفعالهم؟ أظن أنهم سيقلبون الصفحة من دون أن يعيروا الخبر أي اهتمام. ولكن لو عاد نفس الأشخاص ونظروا إلى تجربة اتحاد الإمارات اليوم، فإنهم سيدركون بالتأكيد أنه ربما كان عليهم التوقف والتفكّر قليلاً في ذلك الخبر. فبسببه وجدت فرنسا اليوم سوقاً رائجة لبيع طائرات الإيرباص المدنية، والميراج العسكرية وغيرها من المنتجات الفرنسية. وسيدرك الأسترالي بأن …
أكمل القراءة ←فراغات الذاكرة
كان (غوردون) أحد رؤساء البنوك الاستثمارية في الولايات المتحدة ورجل أعمال ناجح، يتحدث أربع لغات ويدير مؤسسة ذات ربحية عالية. وفي يوم من الأيام، وبعد أن أجرى له الطبيب بعض الفحوصات قال له: “أنت مصاب بالزهايمر” أي مرض فقدان الذاكرة؛ فبدأت حياته بالاضمحلال تدريجيا حتى توفي بعد بضع سنوات. وتقدر الإحصائيات عدد المصابين بهذا المرض بأكثر من ٣٦ مليون إنسان حول العالم. وهو المرض الوحيد الذي لا يمكن تجنبه، أو الشفاء منه أو حتى إبطاؤه. ولذلك يخطئ من يعتقد أنه نوع من (الخَرَف) وفقدان ذاكرة، بل هو موت بطيء ناتج …
أكمل القراءة ←محاولة لفهم الإلحاد عند الشباب العربي
في بدايات الحراك الفكري في أوروبا – إبان القرن الثاني عشر – الذي أدى بها لشق طريقها نحو النور، بدأت المدارس والأفكار الفلسفية بالبروز على سطح الفكر الإنساني. وكان من أهمها في تلك الفترة الفلسفة المدرسية أو ما عُرِفَت بـ “السيكولائية” وهي فلسفة قائمة على التوفيق بين الفكر اليوناني المتمثل في أطروحات أفلاطون وأرسطو، وبين تعاليم الكنيسة التي كانت مسيطرة آنذاك على كل مناحي الحياة ومنها المدارس والنظام التعليمي في أوروبا. وكان من المشتغلين بهذه المدرسة الفيلسوف الفرنسي (بيير أبيلار) الذي عُنِيَ باستخدام المنطق لفهم المسيحية الصحيحة والدفاع عنها. ويظهر …
أكمل القراءة ←تأملات في الدين والسياسة
تجلس في أحد المجالس فتترنح الأحاديث بين آخر الفتاوى الغريبة وبين مواقف السياسيين وتصريحاتهم في المنطقة. فمعظم المنابر الإعلامية في عالمنا العربي مقسمة بين رجال الدين والسياسة؛ ولا تنتهي نشرة أخبار حتى يبدأ برنامج وعظي أو آخر للفتاوى المباشرة التي تتزاحم فيها اتصالات السائلين عن أحكام كل تفاصيل الحياة، بدءا من حكم الاحتفال بالعيد الوطني، إلى كيفية تنشئة جيل قارئ ومثقف. وتبرز المشكلة الحقيقية عندما تُخَصَص ساعات على التلفاز لتفسير الأحلام، وكأن الأمة قد فرغت من علوم الطب والاقتصاد والتكنولوجيا ولم يبق لها سوى تفسير الأحلام حتى تتصدر قوائم التنمية …
أكمل القراءة ←تكفير خطايا الأمة
“ساهَمَت تجارة الرقيق في تدمير المجتمعات الأفريقية، ودفعت بالأوروبيين إلى إنكار انسجامهم ثم فرض ثقافتهم عليهم، وبالتالي قاموا بالاعتداء على هوية الأفارقة، وفي بداية القرن السابع عشر بدأ التجار في لندن باستيراد الذهب والعاج من أفريقياً، إلا أنهم لم يعرفوا شيئاً عن شعوبها. وكل ما كانوا يتداولونه هو قصص خرافية عن مدن مليئة بالذهب، مما أدى إلى تجاهل ثقافات تلك البلاد، وصارت أفريقيا مصدراً رئيساً للعبيد، وتحول هذا الجهل إلى عنصرية استُخدِمَت لاحقا لتبرير أبشع أنواع الاستغلال”. كُتِبَت هذه الجملة على جدار في متحف ميناء لندن، وخُصص فيه قسم كامل …
أكمل القراءة ←

